ابن ميثم البحراني

160

شرح نهج البلاغة

يكون مرئيّا مثلها ، وبيانه أنّ تلك الآلات إنّما كانت متعلَّقة حسّ البصر باعتبار أنّها ذات وضع وجهة ولون وغيره من شرائط الرؤية ، ولمّا كانت هذه الأمور ممتنعة في حقّه تعالى لا جرم امتنع أن يكون محلَّا لنظر العيون ، وقال بعض الشارحين في بيان ذلك : إنّه لمّا كان بالمشاعر والحواسّ الَّتي هي الآلات المشار إليها أكملت عقولنا ، وبعقولنا استخرجنا الدليل على أنّه لا يصحّ رؤيته فإذن بخلق هذه الأدوات والآلات لنا عرفناه عقلا وعرفناه أنّه يستحيل أن يعرف بغير العقل . الخامس والعشرون : كونه تعالى منزّها أن يجرى عليه السكون والحركة ، وقد أشار عليه السّلام إلى بيان امتناعهما عليه من أوجه : أحدها : قوله : وكيف يجرى عليه . إلى قوله : أحدثه ، وهو استفهام على سبيل الاستنكار لجريان ما أجراه عليه وعود ما أبداه وأنشأه إليه وحدوث ما أحدثه فيه . وبيان بطلان ذلك أنّ الحركة والسكون من آثاره سبحانه في الأجسام وكلّ ما كان من آثاره يستحيل أن يجرى عليه ويكون من صفاته : أمّا المقدّمة الأولى فظاهرة ، وأمّا الثانية فلأنّ المؤثّر واجب التقدّم بالوجود على الأثر فذلك الأثر إمّا أن يكون معتبرا في صفات الكمال فيلزم أن يكون تعالى باعتبار ما هو موجد له ومؤثّر فيه ناقصا بذاته مستكملا بذلك الأثر ، والنقص عليه تعالى محال ، وإن لم يكن معتبرا في صفات كماله فله الكمال المطلق بدون ذلك الأثر فكان إثباته صفة له نقصا في حقّه لأنّ الزيادة على الكمال المطلق نقصان وهو عليه تعالى محال . الثاني : لو كان كذلك للزم التغيّر في ذاته تعالى ولحوق الإمكان له ، ودلّ على ذلك بقوله : إذن لتفاوتت ذاته : أي تغيّرت بطريان الحركة عليها تارة والسكون أخرى لأنّ الحركة والسكون من الحوادث المتغيّرة فيكون تعالى بقوله : لتعاقبهما محلَّا للحوادث في التغيّرات فكان متغيّرا لكن التغيّر مستلزم للإمكان فالواجب لذاته ممكن لذاته هذا خلف . الثالث : لو كان كذلك للزم حقيقته التجزية والتركيب لكنّ التالي باطل